لجنة بحوث المجمع العالمي لأهل البيت ( ع )
31
في رحاب أهل البيت ( ع )
فكان ابن عباس يقول : صام رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في السفر وأفطر ، فمن شاء صام ومن شاء أفطر » . أما كلام ابن عباس الأول الذي فيه حكاية صيام النبي ( صلى الله عليه وآله ) حتّى بلوغه عسفان فكان الأولى بالنووي أن لا يذكره ، لأنه على حرمة الصيام في السفر أدلُّ منه على جوازه فيه ، لما فيه أن الرسول ( صلى الله عليه وآله ) دعا بماء فأفطر في منتصف النهار وبحالة كان يقصد منها بيان ذلك للناس ، فإن صيام الرسول ( صلى الله عليه وآله ) في أول الأمر ثمّ افطاره نهاراً وتأكيده على أن يراه الناس وهو يشرب الماء دليل واضح على أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) كان بصدد النهي عن الصيام للمسافر في شهر رمضان ، ولو كان ( صلى الله عليه وآله ) قد أفطر في يوم من سفره وصام في يوم آخر منه لكان للقائلين بالرخصة وجه ، لكنه لم يفعل ذلك . وأما كلامه الثاني المنقول عنه : أن الرسول صام في السفر وأفطر ، فإن كان ابن عباس ناظراً في كلامه هذا إلى الحادثة المذكورة ، فقد اتّضح أن هذه الحادثة لا تدل على الرخصة والتخيير بالنسبة لمن أراد الصيام في أداء شهر رمضان ، بل هي على المنع وتحريم الصيام أدلّ ، وإن لم يكن ناظراً إلى هذه الحادثة وكان ناظراً إلى مجموع سيرة النبي ( صلى الله عليه وآله ) في هذا الموضوع ، فكلامه لا يدل على الرخصة في صوم رمضان بالنسبة إلى المسافر ، وإنّما يدل على جواز الصوم بالنسبة إلى المسافر ، وهذا في الجملة لا نقاش فيه ، إنّما البحث والنقاش كلّه في خصوص صيام شهر رمضان الذي قام الدليل من الكتاب والسنّة على استثنائه ، فعلى مدعي الرخصة أن يثبت شمولها لصيام شهر رمضان وعدم ورود استثناء بشأنه ، وهذا ما لم يثبت ، وكلام ابن عباس الثاني لا وجه للاستدلال به عليه . يضاف إلى ذلك كلّه ما سيأتي من أن ابن عباس قد وردت عنه رواية تفيد نسخ رخصة الصوم في السفر . والحديث التاسع المروي عن عائشة أنّها قالت : « خرجت مع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في عمرة رمضان فأفطر وصمت وقصّر وأتممت فقلت : يا رسول الله بأبي أنت وأمي أفطرت وصمت وقصّرت وأتممت ؟ فقال ( صلى الله عليه وآله ) : أحسنت يا عائشة » . قال ابن قدامة في المغني : رواه أبو داود الطيالسي في مسنده وهذا صريح في الحكم . غير أن الذي يطالع المسند المذكور وروايات عائشة المذكورة فيها لا يجد فيها هذه الرواية ، نعم رواها الدارقطني في سننه تارة عن الأسود وأخرى عن ابنه عبد الرحمن 29 . وجوابنا على الاستدلال بهذا الحديث أن الامرأة التي تصرّح بمخالفتها للرسول ( صلى الله عليه وآله ) ، وعدم متابعتها له في أعزّ المسائل الدينية وهي مسائل الصلاة والصوم ، كيف يُعتمد على روايتها للسنّة النبوية ؟
--> ( 29 ) سنن الدارقطني : 2 / 188 ، ط عالم الكتب .